في عرض أول يطبع حضوره في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة، قدم المخرج المغربي أحمد بولان، أول أمس الاثنين، شريطه السينمائي الجديد «الدار البيضاء/ دكار» ضمن فعاليات مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة، واضعاً أمام الجمهور قصة إنسانية مشدودة إلى زمن الجائحة، وموغلة في تفاصيل الهشاشة الفردية في مواجهة واقع صارم ومعقد.
الفيلم، الذي يمتد لحوالي 90 دقيقة، يستند إلى حبكة درامية توثق تجربة المهندس المعماري علي، الذي يجد نفسه مضطراً للعودة إلى الدار البيضاء من دكار في عز أزمة كوفيد-19، استجابة لضغط زوجته الحامل مريم التي تنتظر قدومه في يوم الوضع. وتتشكل بداية التوتر الدرامي من قرار سابق لعلي بالسفر إلى السنغال بحثاً عن فرص عمل نادرة في بلده، مما يسلط الضوء على أحد أوجه الأزمة الاجتماعية التي تفاقمت خلال فترة الحجر الصحي.
من هذا المنطلق، تأخذ الكاميرا المشاهد في رحلة محفوفة بالمخاطر، لا تجري بين مطارين، بل عبر مسالك مهترئة وخيارات غير قانونية، حين يلجأ البطل إلى شبكة تهريب، ليتحول من مسافر إلى مرافق غير مرغوب فيه ضمن قافلة من المهاجرين السريين. يزداد الإيقاع قتامة مع ظهور مشاهد عن اختناق بعض الركاب داخل حافلات لا تصلح لنقل البشر، وتبدأ أسئلة الضمير الأخلاقي تفرض نفسها في ذهن المتفرج، خصوصاً مع الحضور الشكلي للتعاطف، وتباين الوضعيات بين علي وبقية المسافرين، ما يثير التأمل حول امتيازات "العبور" الطبقي حتى في أحلك الظروف.
ولا تغيب عن الفيلم قسوة الصحراء الإفريقية، بشساعتها وخطرها، حيث تتحول الطبيعة إلى عنصر روائي يوازي صمت الشخصيات وصراعاتها الداخلية. هناك، حيث يعبر السرد السينمائي إلى مشهدية تكاد تلامس طقوس أفلام «الويسترن»، بتأثيراتها الصوتية والبصرية وتوتراتها البطيئة التي تخلق شعوراً بالعزلة والخطر الداهم.
وبعد سلسلة من العراقيل، تنقل السردية البطل إلى مرزوكة، وليس إلى الحدود الموريتانية كما كان يتوقع، وهناك سيصادف مخرجاً سينمائياً يصبح مخلصه من قبضة التعقيدات الإدارية التي فرضها الحجر. لكن، وعند وصوله أخيراً إلى بيته بالدار البيضاء، يكتشف أن رحلته الشاقة لم تُكافأ كما كان يتمنى، إذ يُفرض عليه حجر جديد يمنعه من لقاء زوجته ومولوده، ما يكرّس خيبة مضاعفة، ويجعل النهاية مفتوحة على مرارة التجربة وعبثيتها.
ورغم النية السردية القوية التي ينهض عليها الفيلم، إلا أن عدداً من النقاد سجّلوا بعض الملاحظات، من بينها وجود مشاكل تقنية في الصوت، وعدم اكتمال مآلات بعض الشخصيات الثانوية التي اختفت فجأة من سياق الحكاية، إلى جانب اعتماد مشاهد مستهلكة سينمائياً. غير أن الحضور الفني للمخرج أحمد بولان، وعودة زينب الأندلسي إلى الشاشة، أضفيا على العرض الأول بعداً خاصاً، لاسيما مع أجواء الانطلاق الرسمية لمهرجان خريبكة التي تميزت بحضور لافت لمجموعة من نجوم السينما المغربية.
«الدار البيضاء/ دكار» ليس مجرد فيلم عن الجائحة، بل هو رحلة تأمل في هشاشة القرارات الفردية حين تتقاطع مع قسوة الأنظمة، وحكاية عن العبور بين مدينتين تفصل بينهما أكثر من حدود، حيث يتحول الجسد إلى رهينة للقيود الصحية، والحنين إلى وقود للنجاة.
© Cinenews . All rights reserved 3wmedia.ma